ابن عجيبة
423
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
تحيا بكم كل أرض تنزلون بها * كأنّكم في بقاع الأرض أمطار وتشتهي العين فيكم منظرا حسنا * كأنّكم في عيون الناس أقمار . ( فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) . ثم ذكر بقية من المنافقين ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 101 ] وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ ( 101 ) يقول الحق جل جلاله : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ ، يا أهل المدينة ، مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ ساكنون حولكم ، وهم : جهينة ، ومزينة ، وأسلم ، وغفار ، وأشجع ، كانوا نازلين حول المدينة ، أما أسلم وغفار فتابوا ، ودعا لهم - عليه الصلاة والسلام - فقال : « أسلم سالمها اللّه ، وغفار غفر اللّه لها » وأما الباقي فأسلم بعضهم . قال تعالى : وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قوم مَرَدُوا أي : استمروا عَلَى النِّفاقِ ، واجترءوا عليه ، وتمرنوا وتمهروا فيه ، لا تَعْلَمُهُمْ أي : لا تعرفهم يا محمد بأعيانهم ، وهو بيان لمهارتهم وتنوقهم في تحرى مواقع التهم إلى حد قد خفى عليك حالهم ، مع كمال فطنتك وحذق فراستك ، نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ، ونطّلع على أسرارهم ، إن قدروا أن يلبسوا عليك فلا يقدرون أن يلبسوا علينا ، سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ بالفضيحة والقتل ، أو بأحدهما وعذاب القبر ، أو بأخذ الزكاة ونهك الأبدان في الحرب ، أو بإقامة الحدود وعذاب القبر ، أو بتسليط الحمى عليهم مرتين في السنة ، ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ بعد الموت ، وهو عذاب النار . الإشارة : قد جعل اللّه - سبحانه - بحكمته وقدرته ، في كلّ عصر وأوان بحرين : بحرا من النور وبحرا من الظلمة ، من عصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى قيام الساعة ، فلا بد في كل عصر من نور وظلمة ، وإيمان وكفران ، ونفاق وإخلاص ، وصفاء وخوض ، فأهل النور نورهم في الزيادة إلى قرب قيام الساعة ، وأهل الظلمة كذلك ، إذ لا تعرف الأشياء إلا بأضدادها ، ولا يظهر شرف النور إلا بوجود الظلمة ، ولا شرف الصفاء إلا بوجود الخوض ، ولا فضل العلم إلا بوجود الجهل ، وهكذا جعل اللّه من كل زوجين اثنين ، ليقع الفرار إلى الواحد الحق ، فمن رام انفراد أحدهما في الوجود فهو جاهل بحكمة الملك الودود . واللّه تعالى أعلم .